صحافة المواطن


أ. د. علي بن شويل القرني *

 

قد يكون هناك اختلاف حول نشأة صحافة المواطن "citizen journalism" حيث لا توجد إجابات متفق عليها بين جميع الباحثين والممارسين لهذه الصحافة، مثلما هي الحال مع تعريف وتحديد ماهية هذه الصحافة.

ومع الجدل والاختلاف في بداياتها، هناك جدل كذلك في تعريفها، ولكن المؤكد أنها نشأت في سياق ظروف أزمات مر بها العالم أو مرت بها بعض المجتمعات تحديدا.

ويتفق كثيرون أن صحافة المواطن بدأت بالظهور خلال زلزال وأعاصير "تسونامي" في جنوب شرق آسيا في ديسمبر 2004م، عندما كانت المَشاهد واللقطات التي التقطها مواطنون عاديون هي المادة التي غذت وسائل الإعلام ونشرات الأخبار في جميع دول العالم بصور الكوارث التي اجتاحت مناطق جنوب شرق آسيا.

واعتمدت وسائل الإعلام تلك على شهود العيان المباشرين الذين عاشوا وسجلوا اللحظات الكارثية التي شهدتها المنطقة. كما اعتمدت وسائل الإعلام التقليدية في جميع دول العالم على لقطات الفيديو التي التقطها مواطنون أثناء زياراتهم السياحية أو مقيمون هناك من العاملين في تلك المواقع السياحية.

وكانت وسائل الإعلام التقليدية قد تنافست في عرض مثل تلك اللقطات، وفي هذا الإطار ذكرت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية أن قنوات التلفزة العالمية كانت ترسل مراسليها ومعهم المصورون التلفزيونيون، ليس إلى مواقع الأحداث بل إلى المطارات التي تواجد فيها مسافرون قادمون من تلك المناطق أو ذاهبون إليها، علّهم يجدون لقطات جديدة يقومون بتصويرها ويسجلوا إفاداتهم وشهاداتهم على تلك الأحداث.

لذا أشار باحثون عديدون إلى أن استخدام مصطلح "صحافة المواطن" بدأ منذ أحداث تسونامي المشار لها، وانتشر استخدامه في الصحف العالمية وأصبح مصطلحا صحافيا معتمدا، ولكن جرى التعبير عنه بعدد آخر وأشكال أخرى من المصطلحات منها على سبيل المثال مصطلحات الصحافة الشعبية "grassroots journalism" وصحافة المصادر المفتوحة "open-source journalism" والصحافةالتشاركية "participatory journalism" وصحافة الإثارة المحلية "hyperlocal journalism" وصحافة الشبكات "networked journalism" وصحافة المحتويات المتولدة من المستخدم "user-generated content".

إن "صحافة المواطن" هي الصحافة التي يصنعها أو يشترك في صنعها المواطن ويقوم بتوظيف الصحيفة في تبادلها في مجال الأخبار والرأي بينه وبين باقي المواطنين عبر شبكة الإنترنت. ولا شك في أن اشتراك المواطن في العملية الإعلامية هي قديمة في تاريخ الصحافة والإعلام، لأن المواطن "القارئ أو المستمع أو المشاهد" هو العنصر المستهدف في تلك العملية منذ بدايات نشأة الصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزيون.

بعض الباحثين عرّفوا "صحافة المواطن" بأنها مواقع تبث مساهمات مواطنين ليس لهم علاقة بمؤسسات إعلامية ولكنهم يقومون بأدوار مشابهة لأدوار المؤسسات الإعلامية. ويشير البعض إلى أن صحافة المواطن تعد تحولا نوعيا في مفهوم وطبيعة الأخبار، ويرون أن هذه العمليات هي بالتحديد ثورة في مفهوم جمع المعلومات والأخبار، حيث بات الصحافيون المحترفون يجدون أنفسهم في لحظة تاريخية غير مسبوقة، بدأوا يفقدون فيها الهيمنة التي كان يشكلها لهم مفهوم"حارسالبوابة" ويقعون تحت تهديد ليس فقط التكنولوجيا الحديثة، بل الجمهور الذي كانوا يخدمونه فإذا بهم يقعون فريسته.

 

*رئيس الجمعية السعودية للإعلام والاتصال