العلاقات العامة والإعلام .. تكامل أم تنافر!


 

العلاقات العامة والإعلام .. تكامل أم تنافر!

 

د. عبدالله بن عبدالمحسن العساف

 

أصبحت العلاقات العامة، علماً مهماً وفنًا رفيعاً من فنون الإتصال الإنساني، وأداة مؤثرة لخلق علاقات عصرية وحضارية متميّزة بين المؤسسات وجمهورها، وإذا أمعنّا النظر في طبيعة عمل تلك المؤسسات نجد أنها في الأغلب تقدم خدماتها لإرضاء جماهيرها الذين يتعاملون معها، وإذا كان ثمة نجاح في هذه العلاقات فإنه يتوقف على نجاح البعد الإتصالي للعلاقات العامة.

تعد العلاقات العامة في أبسط صورها فن وعلم إدارة الإتصال بين المنظمة وجماهيرها الداخلية والخارجية، بهدف بناء وإدارة وتعزيز صورتها الإيجابية وإيجاد مساحة من الفهم المشترك لتحقيق مصالح الطرفين، فالإتصال بمعناه الواسع يعدّ ركيزة أساسية في عمل العلاقات العامة؛ إذ تعتمد جلّ أنشطتها على الإتصال الذي يعرف بأنه عملية يتفاعل بموجبها المرسل والمتلقي في سياق معين، ولا يقتصر الإتصال في فلسفة العلاقات العامة على إعلام الناس أو نقل المعلومات والأخبار لهم، بل يتجاوزه إلى كونه حلقة وصل بين المنظمة وبيئتها المحيطة بها.

وتتولى العلاقات العامة تخطيط وتنفيذ وتنظيم الأنشطة والأعمال المتعلقة بجمهور المنظمة، من أجل الإحتفاظ بعلاقات طيبة معهم والتأثير في اتجاهاتهم والحرص على كسب تأييدهم من خلال رسم صورة حسنة لديهم عن المنظمة.

ورغم الإستخدام المكثّف من جانب العلاقات العامة لوسائل الإعلام من جهة، واعتماد وسائل الإعلام في بعض أخبارها على رجال العلاقات العامة من جهة أخرى؛ إلاّ أن العلاقة بينهما يغلب عليها «الصراع» وتبادل التهم حول «القصور في أداء الأدوار»، فهناك رأي يتهم الصحافة بالقصور والكسل في أداء دورها الإعلامي والإكتفاء بنشر ما يصلها من إدارات العلاقات العامة حتى أصبحت تسمّى لدى بعض ممارسي العلاقات العامة بصحافة الفاكس والإنترنت، ورأي معارض يحمل العلاقات العامة مسؤولية التضييق على حرية الصحافيين في الوصول للمعلومة، ومحاولة فرض حقائق قد لا تكون صادقة بالضرورة، لأجل تجميل صورة المنظمة مستغلة سلطة الضغوط المفروضة أحياناً تحت غطاء الإعلانات أو غيرها من المدفوعات لدفع الصحافيين للإلتزام بما تريده العلاقات العامة.

وحتى نكون منصفين؛ يجب أن نعترف أن المسؤولية مشتركة بين قصور إدارات العلاقات العامة أحياناً في الترويج بصورة طيبة لمؤسساتها، وعجزها في التعامل مع الصحف بطريقة احترافية، يقابله قصور بعض الصحف في البحث والتدقيق في التفاصيل الخفية لبيانات إدارات العلاقات العامة، التي تسعى عادة لنشر بيانات تقدم صور وردية عن منظماتها، وقد لا تكون صادقة دائماً.

السبب الآخر الذي يؤثر على العلاقة بين الطرفين هو تعامل الصحفيين مع ممارسي العلاقات العامة وكأن مسؤوليتهم الوحيدة هي مساعدة وسائل الإعلام. ولعلنا نضيف سبباً آخر ساهم في تعميق الفجوة بين الطرفين، وهو الشبكة العنكبوتية، التي كان رجال العلاقات العامة قبل ظهورها يستجدون الصحفيين في نشر أخبار منظماتهم، ولكن وجود طرف ثالث جعل العلاقات العامة تستغني إلى حدٍّ كبير عن جهود الإعلاميين في الوصول إلى جماهيرها والتفاعل معهم بشكل عصري ماتع وبتكلفة قليلة.

ويجب الإعتراف بأن صناعة العلاقات العامة في الوطن العربي رغم كثرة مخرجات التعليم الجامعي المتخصص فيها، إلاّ أنها تعاني من عجز المواهب، ممّا جعل بعض المنظمات تندفع لتوظيف المتقدمين إليها بشكل أسرع وتدرب بشكل أقل، وتضع موظفيها قليلي الخبرة في مواجهة الإعلام والرأي العام، دون إدراك لخطورة هذا التصرف الذي يؤثر على مستقبلها وربما يعصف بها خارج إطار المنافسة.

يقول الصحفي دافيد مرمان: "كنت أتلقى مئات الرسائل والقصص الإخبارية التي يرسلها رجال العلاقات العامة كي أكتب عنها في عمودي الصحفي، وخلال خمس سنوات تلقيت (25000) مادة مصدرها العلاقات العامة، ولم أكتب عن أي قصة منها، وخلال مناقشاتي مع زملائي الصحفيين اكتشفت أني لست الوحيد الذي يتلقى هذا الكمّ من البيانات الصحفية المعلبة دون أن أجد في نفسي رغبة في الإطلاع عليها فضلاً عن نشرها".

ويقدم نصيحة لرجال العلاقات العامة بقوله: «عليك أن تعرف ما يثير اهتمام الصحفيين ثم التواصل معم والتحدث إليهم عن شيء مثير للإهتمام يدفعهم للكتابة عن منشأتك بدلاً من إغراقهم بوابل من الإصدارات الصحفية الغثة».

وخلاصة القول إن العلاقة بين رجال العلاقات العامة والصحفيين تتضمن صراعاً بين ما يعتبر نظرياً مجموعتين مختلفتين من المصالح، فالصحفي يبحث عن الحقائق لتقديمها لجمهوره، ورجل العلاقات العامة يسعى لأن تعكس الأخبار والتقارير الصحفية (الرسالة) التي يود توصيلها لجمهوره.

إذن، يجب أن نعترف بوجود فجوة بين الطرفين، لكنهما مضطران للعمل معا، ولذا من الضروري البحث عن صيغة للتعايش بينهما وبناء علاقة جيدة، فأحياناً يكون هناك تعارض في المصالح بين رجل العلاقات العامة والصحفيين، وربما يؤثر هذا التعارض على العلاقة بينهما، ولعلّ أفضل الحلول لهذا التناقض أن ترى المنظمة ورجال العلاقات العامة أن العلاقة مع وسائل الإعلام هي استثمار ومصلحة ولها تأثير على نوعية التغطية الإخبارية التي يقوم بها الصحفيون تجاه المؤسسة.

وهناك حقائق لا بدّ من التأكيد عليه في هذا الصدد منها أن العلاقة الجيدة مع وسائل الإعلام + خبرة مهنية صحفية لدى رجل العلاقات العامة توفر 25% من ميزانية الإعلانات على الأقل من حيث المساحة الإعلامية، وأن علاقات جيدة مع وسائل الإعلام + مستوى مهني مرتفع = تأثير أعلى مما يمكن أن يؤديه الإعلان التجاري.

وبما أننا لا نستطيع أن نجعل الصحفي يفكر كرجل علاقات عامة، فإن من الأفضل أن يفكر رجل العلاقات العامة باعتباره صحفياً متخصصاً، وهذا كان السبب الرئيس في حالات النجاح التي تحققت في عمل العلاقات العامة مع وسائل الإعلام.

لذا، على رجال العلاقات العامة في المنظمات العمل على كسب ثقة الإعلاميين، وتقديم الخدمات الإعلامية للصحفيين، والتحلي بالمهنية الرفيعة، وتجنّب الإغراق، إضافة لبناء وتعزيز العلاقات الشخصية واللقاء المباشر وجهاً لوجه وليس استخدام الهاتف أو البريد الإلكتروني، ومن مميزات هذا اللقاء تعرّف رجال العلاقات العامة مباشرة على زملائهم الإعلاميين وعلى القضايا التي يحبها الإعلاميون وكيف يعملون ويجمعون معلوماتهم.

إضافة لذلك، عليهم فهم فلسفة عمل العلاقات العامة، والتواصل المباشر مع كل وسيلة إعلامية، والبحث عن عنوان كل صحفي متميز لمعرفة الطريقة التي يفضلها لاستلام الرسائل (إنترنت، فاكس ـ تلفون)، وأخيراً عليك توخّي الحذر والدقة أثناء اختيار أخبار منظمتك التي سترسلها إلى وسائل الإعلام، فإذا كانت لديك أخبار محددة تستحق الذكر وتريد إعلانها، أرسلها ضمن موضوع صحفي على ألا يتجاوز الصفحتين.

**************