القوى الناعمة في المهجر

الهجرة ملمح أساسي في شخصية لبنان، وعامود من أعمدته الإقتصادية والإجتماعية





القوى الناعمة في المهجر

الواقع والدور... وغياب العلاقات العامة

 

عرف البشر الهجرة منذ فجر التاريخ، وتعدّدت الأسباب والدوافع والأنماط لتلك الهجرات، مثلما اختلفت وجهات الترحال، ورغم قدم هذه الظاهرة وكثرة انعكاساتها على البشرية والوجود الإنساني، إلاّ أن الدراسات التي تناولت الهجرات العربية على وجه الخصوص لم تتناغم مع حجمها وثقلها.

ومع التطورات السياسية الكبيرة التي تشهدها المنطقة العربية، كان لزاماً علينا إفراد مساحة خاصة في مجلة > علاقات < للحديث عن الهجرات العربية والمغتربين العرب ووجودهم في بلادهم الثانية، وذلك في مسعى جديد من المجلة لتأسيس رؤى مختلفة حول ملفات العلاقات العامة.

في ملف هذا العدد، نسلط الضوء على ثلاث جاليات عربية لما تمثله من وزن كبير وانتشار واسع في مختلف أرجاء الأرض وخصوصية في كل حالة، وهذه الجاليات هي اللبنانية والعراقية والفلسطينية، وسنحاول من خلال هذا الملف البحث عن إجابة لبعض الأسئلة المرتبطة بمفاهيم العلاقات العامة، كالأدوار التي تلعبها الجاليات العربية في بلاد المهجر، وكيف يُعرّف المغتربون العرب أنفسهم هناك، ومدى إمكانية الإستفادة من المغتربين في تحقيق مصالح أوطانهم بصورة متبادلة، ونتساءل أيضاً حول وجود قوانين مخصّصة للمغتربين أو مشاريع تدعم صلات المغترب بوطنه، فضلًا عن قراءة في المكاسب والمصالح بالنسبة للطرفين؛ المغترب في بلاد المهجر ووطنه...

 

اللبنانيون مهاجرون بالفطرة

اختيار الجالية اللبنانية لتسليط الضوء عليها خلال ملف العدد في مجلة > علاقات < ليس أمرًا عبثيًا، حيث تشير دراسة أجرتها المنظمة العالمية للهجرة أن لبنان يشكل البلد الأول في العالم من حيث كثافة الهجرة مقارنة بعدد سكانه، وهناك ترجيحات إحصائية تخمّن أن عدد المهاجرين اللبنانيين يصل إلى 11 مليون مهاجر لبناني وأخرى تصل إلى 15 مليون، وبالتأكيد فإن العدد قابل للزيادة بشكل كبير نسبة لعدم وجود دوائر إحصائية دقيقة لضخامة التعداد وتوزّعهم في أرجاء الأرض، خاصة مع عدم وجود إحصائيات وافية عن تركيبتهم الإجتماعية وتوزيعاتهم من حيث المهنة أو الجنس والإختصاص وأسباب الهجرة.

كانت رغبة اللبناني الفينيقي العنيد متأجّجة دوماً بالتحليق والمغامرة، حتى أصبح سلوك الهجرة صفة أساسية لكينونتهم، وقد سبقت سمعة اللبناني المهاجر في بلاد الإغتراب لنجاحات بعض المغتربين، وحسبما تشير بعض الأطروحات، فإنه يمكننا القول بأن الهجرة باتت تشكل ملمحاً أساسياً في شخصية لبنان الجغرافية، بل وعاموداً من أعمدته الإقتصادية والإجتماعية.

لكن الحديث عن تاريخ هجرات اللبنانيين وعمق هذه الظاهرة، أمر يكتنفه الكثير من الصعوبات، خاصة وأن التسمية التي نعرفها اليوم بلبنان اختلفت، ففي فترة ما قبل الإحتلال الفرنسي والإستعمار الأوروبي كان جل المهاجرين العرب من منطقة سوريا وفلسطين والأردن ولبنان يطلق عليهم اسم "الشوام"، وقد عرفوا بنشاطاتهم الواسعة في الهجرة لأسباب عديدة، سواء كانت هجرتهم داخل المنطقة العربية أو خارجها.

وعمومًا، عند الحديث عن حال الجاليات العربية في بلاد المهجر، لا بدّ وأن نتطرّق إلى الإمتداد الزمني الذي بدأت فيه كل جالية على حدا بالتواصل فيه مع أوطانهم الجديدة، إذ إن محاولة دراسة ظلال هذه الهجرات وأدوارها التفاعلية لا يتم إلاّ عبر ذلك المدخل الذي سيسهل علينا الحصول على إجابة للعديد من التساؤلات وأهمها لماذا هاجروا أو اغتربوا ومن أين بدأت الهجرة؟

 

دوافع ومراحل

يمثل غياب الأمن وكثرة الحروب دافعاً رئيسياً وراء هجرة اللبنانيين، ويمكن من خلال تتبّع بعض الدراسات المنشورة عن المنظمة العالمية للهجرة القول إن تأثير الحروب الأهلية كان لها اليد الأقوى في تقرير طبيعة تواجد اللبنانيين وهجراتهم، لكن الأسباب الأمنية والسياسية ليست وحدها الدافع، فالعامل الإقتصادي ودخول لبنان في العديد من الأزمات الإقتصادية الحادة مع تباطؤ النمو الإقتصادي وتفشّي البطالة بكافة أنواعها خاصة المقنعة، كل ذلك عزّز من دوافع اللبنانيين نحو الإغتراب من أجل البحث عن لقمة العيش والحياة الهانئة.

يشير كتاب "اللبنانيون في العالم - قرن من الهجرة" للكاتبين ألبرت حوراني ونديم شحادة، وهو أول كتاب علمي يرصد حركة الهجرة اللبنانية في العالم خلال قرن، إلى أن الهجرة اللبنانية مرّت بأربع مراحل أساسية وتوزعت على الشكل التالي:

- مرحلة أولى بدأت من القرن السابع عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر، سافر خلالها عدد محدود من اللبنانيين والسوريين إلى مصر وإلى أبرز المدن التجارية بين أوروبا والشرق الأدنى (ليفورنو، مرسيليا، مانشستر) وقد كان اللبنانيون في تلك الفترة يعرفون بالشوام.

- المرحلة الثانية يمكن إطلاق عنوان "مرحلة المتصرفية" عليها، وامتدت من منتصف القرن التاسع عشر حتى السنوات الأولى من القرن العشرين، سافر خلالها عدد غير محدود إلى الأميركيتين الشمالية والجنوبية رغم محاولة الإمبراطورية العثمانية الحؤول دون السفر بسبب الحاجة إلى عناصر شابة تخدم في الجيش العثماني، وكان معظم المهاجرين شباناً مسيحيين ودروزاً أكثرهم من مستوى اجتماعي متدنٍ وثقافة محدودة ومن الواضح أن الأسباب كانت طائفية في المقام الأول.

- في المرحلة الثالثة وهي مرحلة الإنتداب بعد الحرب العالمية الأولى، انغلقت أبواب الولايات المتحدة وبعض البلدان الأخرى في وجوه الوافدين الجدد وانفتحت أبواب أخرى في المستعمرات الأفريقية التي كان يديرها البريطانيون والفرنسيون، حيث كانت تحتاج إلى عناصر جديدة، وفي هذه المرحلة كان معظم المهاجرين من قرى الجنوب اللبناني بعد أن ضاقت بهم محدودية الحالة الإقتصادية في جنوب لبنان ونادتهم الفرص المتاحة في البلدان الأفريقية وأغلبهم كانوا من الطائفة الشيعية.

- أما المرحلة الرابعة، فيمكن عنونتها بمرحلة "اللجوء إلى دول النفط". فمع نموّ الإقتصاد في دول الخليج العربي في الستينات والسبعينات واندلاع حرب لبنان عام 1975، هاجر لبنانيون كثيرون إلى الولايات المتحدة ملتحقين بأهل لهم هناك أو متكلين على كفاءاتهم الشخصية، ومعظمهم غلبت عليهم صفة التعلم والثقافة وإتقان المهارات، وكانوا من جميع الطوائف والمذاهب، ومن لم يتجه إلى هناك، هاجر نحو كندا وأستراليا وأميركا اللاتينية وأوروبا الغربية، فيما توجه البعض الآخر إلى المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج، حيث كان النمو الإقتصادي السريع في حاجة إلى طاقات جديدة من كل نوع لأعمال تمتد من الحرفية إلى التدريس والتوظيف والحاجة إلى الأطباء والمقاولين، غير أن المرحلة الأبرز لعملية "التهجير" اللبنانية بدأت من العام 1990حتى الآن نتيجة للظروف السياسية التي مرّ بها لبنان من اغتيالات وتراجع في الأوضاع الإقتصادية وغلاء متزايد للمعيشة ثم حرب تموز التي دفعت بالكثيرين إلى الهجرة.

 

بصمة ثاقبة وتميز ملحوظ

يصل عدد المهاجرين القدامى من لبنان لقرابة 13 مليون نسمة، منهم من اندمج في غربته الجديدة ومنهم من لم يستطع الإنصهار في بوتقة الأوطان الجديدة، لكن الأهم من كل ذلك البصمة اللبنانية التي تركت في هجرتها أثراً ثاقباً وتميزاً ملحوظاً، ولأن قصة النجاح اللبناني يصعب إحصاؤها، نذكر على سبيل المثال الرئيس الكولومبي السابق خوليو سيزار طربيه، ورئيس الوزراء الجامايكي السابق إدوارد صياغة، ووزير العدل البرازيلي السابق الفريدو نصر، ومساعد وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسية السفير فيليب حبيب، والرئيسة السابقة للتشريفات في البيت الأبيض سلوى شقير، والدكتورة دونا شلالا عميدة جامعة ويسكونسن، وعميدة الصحافيين السابقة في البيت الأبيض هيلين توماس وغيرهم.

وعلى مستوى الفن والغناء وهوليود، حقق اللبنانيون المهاجرون صدى واسعاً ونجاحات لا تخفى على أحد في هذا الشأن، فمن الممثلين الأمريكان من أصول لبنانية فينيس فون، وكذلك وينتوورث ميللر نجم مسلسل "بريزون بريك" الشهير، وإيمي يزبك وطوني شلهوب وسلمى حايك المكسيكية من أصول لبنانية، وشانون إليزابيث وغيرهم، ومن المغنين الفنان الكندي من أصول لبنانية مساري والفنانة العالمية شاكيرا، بل إن ملكة جمال الولايات المتحدة لعام 2013 هي أميركية من أصول لبنانية وتدعى ريما فقيه.

 

لمّ شمل

ربما تنفرد وزارة الخارجية اللبنانية بإلحاق إسم "المغتربين" في تعريفها الرسمي، كما أنها أنشأت مديرية عامة للمغتربين تعنى بأخبارهم ونشاطاتهم ودعوتهم للإستثمار في بلادهم كنقطة للتواصل، وفي لبنان أيضاً مؤسسات اغترابية تحت مظلة وزارة الخارجية تعمل لذات الأهداف المتمثلة في الوصل بين المغتربين المهاجرين وبلادهم الأم لبنان، وقد تكون هذه النافذة التي تطلّ منها المديرية العامة للمغتربين اللبنانيين على العالم منذ مطلع عام 1994 محاولة فريدة في العالم العربي لما حققته.

واليوم بعد كل سنوات الهجرة اللبنانية، يتجه لبنان بخطوات حثيثة للإستفادة من "الطاقة اللبنانية الإغترابية" ولذلك، عقدت العديد من المؤتمرات والفعاليات الضخمة التي تجمع صوت ملايين اللبنانيين الأصليين بالخارج في توجه رائد للحكومة للمّ شمل اللبنانيين مع أوطانهم، وانطلق على مدار عامين مؤتمر "الطاقة الإغترابية" بهدف جمع أكبر عدد من اللبنانيين الناجحين والمميزين في العالم كي يتعرفوا على بعضهم البعض، وجمعهم أيضاً باللبنانيين المقيمين في الوطن، وقد ضمّ هذا المؤتمر أبرز اللبنانيين الناجحين في العالم من 70 دولة، ويمكن أن نسميهم نخبة الإغتراب.

وربما تكون الجالية اللبنانية في الخارج قد انتبهت بعد كل هذه العقود إلى حالة الفراغ السياسي التمثيلي لها في الداخل، واتجهت عملياً إلى معالجة الأمر عبر قوانين وشرائع تؤكد ارتباطها وأواصر علاقاتها، ولأجل ذلك شددت وزارة الخارجية اللبنانية على أهمية تأكيد الحقوق السياسية للمغتربين اللبنانيين، وذلك من خلال تمثيل برلماني وتخصيص نائب أو أكثر لكلّ قارّة مع تسهيل ممارسة حقوقهم في الإقتراع، إذ إن واحداً من أهم المطالب القديمة في الأوساط السياسية اللبنانية هي إشراك المغتربين اللبنانيين في الإنتخابات اللبنانية، وقد جاء هذا المطلب منذ البيان الوزاري الأول لحكومة الإستقلال عام 1943.

وإلى جانب حقهم السياسي، جاءت فكرة الإقتصاد الإغترابي كمسعى للوصل بين المهاجرين وبلادهم من خلال جسر الإستثمار، فحسب إحصائيات عام 2014 فإن اللبنانيين يقومون بتحويل ما مقداره ثمانية مليارات دولار سنوياً إلى بلادهم، وهو ما يمثل 20 في المائة من ناتج لبنان القومي، ولأجل ذلك فقد اقترحت الدولة اللبنانية تسهيل كل المعوقات القانونية والإدارية التي من شأنها تعزيز الإقتصاد الإغترابي.

 

أدوار متبادلة

ما الذي يمكن أن يقدمه اللبنانيون في الخارج للبنان، وماذا يمكن أن يعطي لبنان لهم بالمقابل، وماذا يمكن أن يقدما سويةً للعالم؟ هذا السؤال ترجمته وزارة الخارجية والإغتراب بمحاولة وضع رؤية لتحسين المشهد الإغترابي كتأسيس لانطلاقة الغد، وأقامت لأجل ذلك مؤتمرين لتفعيل دور الجالية اللبنانية في الخارج والداخل أيضاً، والبحث عن كيفية ربط اللبنانيين المغتربين فيما بينهم وكيفية استثمار اللبناني في الخارج عبر لبنانيي الإغتراب، فضلاً عن سبل جذب اللبنانيين المغتربين للعمل مع اللبنانيين المقيمين.

وتم إطلاق عدة مشاريع على مدار سنوات العمل والدراسة، تمحورت حول عدة بنود تلخص طبيعة العلاقة وتأطيرها في مستقبل المغتربين اللبنانيين، وحسب القنصل العام لساو باولو - البرازيل الديبلوماسي من أصول لبنانية قبلان فرنجية، فإن وزارة الخارجية والمغتربين أعطت رؤية جديدة للبنانيين المغتربين وجسّدت أساليب وإطارات للمساهمة في نهضة لبنان من جهة، ومع بعضهم البعض من جهة أخرى عبر مشاريع جدية ومبدعة.

أحد أهم تلك المشاريع هو مشروع "ليبانون كونيكت" والذي أفاد المسؤول عنه السيد رواد رزق أن هدفه هو جمع اللبنانيين في كل أنحاء العالم من خلال التطوّر التكنولوجي، والتواصل بين المغتربين بعضهم البعض وبين بلدهم الأم، والمشروع الثاني هو مشروع "استثمر لتبقى" وأتت فكرته من خلال أهم عقبة قد تشكل عائقًأ أو تمثل قلقًا للمغتربين الذين يفكرون بمغادرة البلاد من وإلى لبنان، فاقترح على ضوء ذلك تفعيل الإستثمار باعتباره جسراً لبقائهم وتعزيزاً لمفهوم الإقتصاد الإغترابي.

ولأن الوعي والهوية تأصيل يأتي من الصغر، فقد جاء مشروع "المدرسة اللبنانية" الذي يمثّل شراكة بين وزارتيّ الخارجية والتربية، وهو مشروع بدأ مبكرًا في عام 1988 واليوم هناك 11 مدرسة لبنانية في العالم مرخصة من وزارة التربية وتتبع المناهج اللبنانية، ويستطيع المغترب اللبناني الحصول على الشهادة الثانوية من خلالها، ومن المشاريع الرائدة كذلك مشروع "بيت المغترب اللبناني" الذي تقوم فكرته على إعادة إحياء المنازل الأثرية في البلدات وربط المغتربين بجذورهم.

ومما لا شك فيه أن لا شيء يعدل المنتج اللبناني في قدرته على زرع الحنين، لذا فإن الميزة التنافسية للمنتج اللبناني من الزعتر حتى زيت الزيتون اندرج تحت مشروع "قلب لبنان/ اشتر لبناني"، وهو مشروع يأتي بالتوازي مع فكرة مشروع "أرزة المغترب" التي تدعو المغتربين اللبنانيين إلى أهمية تبنّي زراعة شجر الأرز برمزية شديدة للوصل بين المهجر والوطن.

 

العراق .. هجرة الكفاءات والعقول

الملمح الأبرز للهجرة العراقية هو هجرة الكفاءات والعقول، وقد بدأت هذه الهجرة منذ سبعينات القرن الماضي، وحتى اليوم ما زالت الجامعات العربية والجامعات العالمية تحتضن المعلمين والأساتذة العراقيين الذين لجأوا إليها إثر ظروف سياسية أو بحث عن أمان مفقود أو بيئة علمية تحتضنهم، وقد سعت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق لاستقطاب هؤلاء المهاجرين مراراً عبر قوانين شُرّعت لم تأتِ بثمارها أو عبر بعض الإجراءات غير المجدية أو لم ترتقِ إلى تحقيق المستوى المطلوب من تأمين وحماية لهذه الكفاءات، فقد لاحقت العلماء العراقيين والأساتذة الجامعيين ظاهرة القتل والتهديد ولم تفلح لجان حماية هؤلاء الأكاديميين من تحقيق المأمول لا في الحرم الجامعي ولا حتى خارجه، إذ إن المطلوب لدى المهاجرين العراقيين ليس سنّ القوانين الحامية، بل تقديم الإجراءات الرادعة لكل يد تسبّبت في هجرتهم، فغياب الأمن سيحول دون أي قيمة حقيقية لقوانين لا تفعل على أرض الواقع.

 

ألم وأمل

هناك العديد من الأسباب التي تدفع الجهات الحكومية لإعادة النظر في طبيعة الصلة بين المغترب أو المهاجر أو اللاجئ مع بلاده، أهمها أن انعدام العلاقة وعدم تأطيرها بشكل قانوني سيؤدي إلى خسارة المغترب لشعوره بأنه مقاطع ومنبوذ أو غير ذي جدوى من بلده الأم، في حين يجد بالمقابل أن بلاد المهجر أو وطنه الجديد يقدم له كل الإمكانيات والتسهيلات للإستفادة منه واستثماره، وهو أمر بالطبع لم يجده في بلد الأم.

وهنا يضيع صوت المغترب ويفقد الصلة بتمثيل بلاده فتخسر البلاد جزءًا من كيانها في الإغتراب ويخسر المغترب صلته الأقوى لصالح بلاد جديدة يقدم لها أقصى ما في طاقته وأكبر ما في جعبته من قدرات مقابل حظوة لم يحصل عليها من قبل، فتزداد الخسارة بشكل أكبر.

على عكس الهجرة اللبنانية، تعدّ الهجرة العراقية ظاهرة حديثة لم يعرف التاريخ العراقي المعاصر مثيلًا لها في مختلف العقود، باستثناء هجرة يهود العراق إلى ما يعرف بـ"إسرائيل" في الفترة التي تلت عام النكبة، حيث بدأت الهجرة العراقية الملحوظة حديثاً منذ سبعينات القرن الماضي، ويعود سبب ذلك إلى القمع السياسي والتمييز القومي الديني والطائفي، ثم البحث عن أوضاع اقتصادية أفضل في درجة ثانية.

ورغم أن ظاهرة الهجرة جزء من كينونة الإنسان وصيرورته، إلاّ أنها تعد ظاهرة خطرة على المجتمع بلا شك، خاصة إذا ما كانت مواكبة لما فرضته الحالة العراقية، ويمكن القول إن هجرة الأدمغة العراقية والطبقة المنتجة هي الملمح الأسمى للهجرات التي تعاقبت على مختلف الفترات من العراق إلى دول المهجر، ممّا يعني أنها هجرة ستفضي إلى إفراغ المجتمع من كوادره ويده الأكثر إنتاجًا وستؤثر سلبًا على النسيج الإجتماعي وتراجع بنيته وتفكّكه.

وإلى جانب هجرة العقول، فإن العديد من الأسباب أدت إلى تفاقم هجرة العراقيين إلى الخارج، والهاجس الأمني يقف في مقدمة تلك الأسباب خاصة مع الحروب الطاحنة التي أرخت بظلالها على العراق منذ عقود تتالت، ولذا يمكن القول إن عنوان الهجرة العراقية الأبرز هو البحث عن الأمان المفقود في ظل تهديدات دائمة وملاحقات مستمرة وتهجير قسري وتصفية متتابعة أتت على الأخضر واليابس.

وعند النظر إلى الهجرة العراقية وطبيعتها من هجرة للعقول الفذّة والطاقة الشبابية الأكثر كفاءة بالإضافة إلى رؤوس الأموال العالية، يتبادر إلى الذهن تساؤل حول ما إذا كانت هذه الهجرة منظمة ويقف وراءها أطراف يخططون لإفراغ العراق من كفاءاته ومقدراته!

 

تسلسل هجرة الكفاءات

الظروف الإستثنائية التي مرّ بها الشعب العراقي طوال مسيرته من حروب طاحنة وفتن مستعرة، أفضت إلى صعوبة الحصول على إحصائيات دقيقة عن الوجود العراقي في الخارج، ليس كأرقام بيانية تفيد بأعدادهم وحسب، بل أيضاً حول أسباب هذه الهجرات ومجالات الأنشطة الأساسية لهم.

يشير الدكتور هاشم نعمة في بحث منشور حول هجرة الكفاءات العلمية العراقية أن العراق في السبعينات كان من ضمن سبعة بلدان عربية يهاجر منها كل عام 10.000 من المتخصصين، وفي دراسة للأمم المتحدة صدرت عام 1974 قدرت الدراسة أن 50% من حملة الشهادات الجامعية الأولى (البكالوريوس) في العلوم الهندسية و90% من حملة الدكتوراه هم خارج العراق.

ويشير نعمة إلى أن هذه النسب العالية تجيء نتيجة اشتداد المضايقات السياسية والتصفيات الجسدية والسجن والتعذيب، وبالأخص وسط أعضاء ومؤيدي الحزب الشيوعي العراقي والأحزاب والقوى الدينية، حيث تركزت أعداد مهمة منها في البلدان العربية بالأخص الجزائر وليبيا واليمن الجنوبية سابقاً والدول الإشتراكية السابقة وأوروبا عموماً.

ولا يجد الباحث أدل على كثرة الكوادر والكفاءات العراقية المقيمة في الخارج، من الحملات الواسعة التي كانت تقوم بها الحكومة العراقية أوائل السبعينات بإرسال وفود رسمية عالية المستوى لإقناع الكفاءات العراقية بالعودة إلى بلادهم، وذلك بتقديم الامتيازات وإصدار القوانين والقرارات وأبرزها قانون عرف بقانون 154.

ولكن رغم كل الجهود الحكومية تلك، لم يعد إلا القليل منهم ولم يتجاوزوا 507 مهاجراً عراقياً فقط، وحتى الذين عادوا هاجر معظمهم مرة ثانية بسبب عدم وجود مقاييس موضوعية لتقييم الكفاءات على المستوى الرسمي، والمضايقات التي تعرضوا لها ومن أبرزها سياسة التبعيث القسري وانعدام حرية التعبير.

وطبقاً لتعداد 1977، بلغ مجموع العراقيين في الخارج 142.280 وهذا الرقم يشمل المسجلين في الخارج فقط، وبالتأكيد هناك أعداد أخرى من غير المسجلين لا نعرف عددهم بدقة، وبالأخص الذين طلبوا اللجوء في البلدان الغربية، وبسبب استمرار هجرة العقول العراقية في السبعينات وعدم نجاح قانون 154 لعام 1975 لتشجيع عودة الكفاءات، دعت الحكومة العراقية آنذاك عدداً كبيراً من أساتذة الجامعات من العرب والأجانب للعمل في الجامعات ومؤسسات البحث العلمي والطاقة الذرية للتعويض عما فقده العراق من الكفاءات العلمية.

وفي الثمانينات، يؤكد الدكتور نعمة على ازدياد هجرة الكفاءات بسبب الحرب العراقية الإيرانية واستمرار سياسة التبعيث القسري، حيث يجد أن منع السفر الذي فرضته الحكومة عام 1982 أتى جراء إدراكها لتصاعد الهجرة التي استمرت بأعداد أكبر، وقد امتنع الكثير من الطلبة الذين أكملوا دراستهم في الخارج من العودة إلى العراق في تلك الفترة بسبب عدم رغبتهم في التجنيد في ساحات القتال، بالرغم من أن الكثير منهم قد أرسل لإكمال دراسته في الخارج على نفقة الدولة بالفعل.

وفي حقبة التسعينات من القرن العشرين، شهد العراق، حسب الدكتور نعمة، هجرة كثيفة غير مسبوقة شملت الكثير من الكفاءات بسبب غزو الكويت عام 1990 وما نتج عنه من اندلاع حرب الخليج الثانية والإنتفاضة في العام التالي (آذار 1991) وتعرّضها للقمع، وفرض العقوبات الإقتصادية الصارمة على العراق، وتوجه الكثير من الكفاءات بالأخص أساتذة الجامعات إلى الدول العربية خصوصاً ليبيا حيث كانت نسبة العراقيين مرتفعة بشكل لافت للنظر في جامعاتها وكذلك إلى اليمن والأردن ودول أخرى.

ويذكر الدكتور عبدالوهاب حومد أنه غادر العراق بين 1991-1998 أكثر من 7350 عالماً تلقفتهم دول أوروبية وكندا والولايات المتحدة وغيرها، منهم 67% أساتذة جامعات و23% يعملون في مراكز أبحاث علمية، ومن هذا العدد الضخم هناك 83% درّسوا في جامعات أوروبية وأمريكية أما الباقون فقد درسوا في جامعات عربية أو في أوروبا الشرقية، ويعمل 85% من هؤلاء في اختصاصاتهم، وهذا النزوح لعدد كبير من الكفاءات عالية المهارة في فترة زمنية قصيرة قلما شهدته بلدان أخرى. 

 

وقف النزيف

يغادر العراق اليوم أكثر من ثلاثة آلاف إيزيدي شهريًا بسبب الحالة الطائفية المحتقنة في في العراق، وإذا بحثنا عن أسباب هذه الهجرة سنجد أن تنظيم داعش ومن يقف وراءه في مقدمة الأسباب التي دفعت الإيزيدين إلى الخروج من ديارهم فضلًا عن الأوضاع المأساوية للمخيمات، لكن النزيف العراقي لا يقف عند الإيزيدين ولا عند أي طائفة بعينها، فالإرهاب والتطرف يرخي ظله الأسود على الجميع دون استثناء، والضحية دائمًا هي العراق.

وربما يكون الحديث عن إيقاف الهجرة والنزيف العراقي أكثر جدوى من الحديث عن الطرق التي يمكن من خلالها الإستفادة من المهاجرين والمغتربين، إذ إن كل دواعي الاستفادة المتبادلة تقف أمام عائق غياب الأمن الطارد الأهم لأبناء الوطن من الرحم العراقي.

كما علينا بداية أن نعيد النظر إلى القوة الإغترابية الكبيرة في بلاد المهجر واللجوء على أنها ليست قوى لتحويل الأموال ومصادر تمويلية، بل يجب اعتبارهم معولاً أساسياً للتغيير، وصوتاً مؤثراً في العمليات الإنتخابية، وجزءاً مهماً يحقّ له التمثيل، وفرداً أصيلاً من المجتمع لا يقلّ إطلاقاً عن نظيره الذي لم يغادر الوطن.

ويمكن الإستفادة من حالة الإغتراب العراقي بصورة متبادلة من عدة جوانب، تتيح لهؤلاء المغتربين التأثير الإيجابي المتبادل لمصالح البلاد المستضيفة والبلاد التي ينتمون لها في الأصل، وربما يكون قلق المغترب الأول هو على الأموال التي جناها في اغترابه، وأن البيئة العراقية الجديدة غير قادرة على احتضان مشاريعه أو توفير الأمن الكافي فضلًا عن القرارات الميسرة لأي مرحلة قادمة من مستقبل العراق.

واليوم يشغل العديد من المغتربين العراقيين وسواهم، مراكز مرموقة في أوطانهم الثانية، وهم من المساهمين بالطبع في بناء البلدان المستضيفة من تطوير للصناعات وتنمية في الإقتصادات وما إلى ذلك خاصة، إذا ما كان المغترب العربي مستفيداً من الخبرات المعرفية والعلمية والتقنية التي توجد في بلاد الإغتراب، فلماذا لا يتم الإستفادة من هذه الخبرات بصورة عكسيّة في بلده الأم؟

وبالإضافة إلى ذلك، يمكن الإشارة إلى أن العدد المهول للمغتربين العراقيين في الخارج قادر على إحداث فارق حقيقي من خلال الحراك البرلماني، وهذا بالطبع لن يحدث إلاّ في حال كان هناك تمثيل منصف لهم بمقدار ثقلهم في الخارج، والمسألة يمكن معالجتها قانونيًا وتشريعيًا، وتلك واحدة من أدوات الضغط في العلاقات العامة التي تمكن من استثمار الخارج في الداخل لتحقيق الأهداف التي يُطمح لها.

 

الفلسطينيون .. شتات وانتظار

تصنّف هجرة الفلسطينيين إلى أوروبا ودول المهجر بأنها هجرة قسرية نتجت عن ظروف غير اعتيادية تسبّب بها الإحتلال الصهيوني من تطهير عرقي ومجازر بشعة واستنزاف دمويّ، فهجرة جلّ أبناء فلسطين قامت بالأساس لتكون الوجه الدامي للإنسان الذي يُقتلع من أرضه تائهاً في الأرض إثر ما عرف بعام النكبة 1948 الذي أعلنت فيه إسرائيل قيام دولتها زورًا، فكان ذلك العام بداية رحلة عذاب لمئات الألوف من العائلات الفلسطينية التي اقتلعت من وطن عرفوه منذ ما قبل الميلاد.

من الصعوبة بمكان تحديد عدد اللاجئين والمهاجرين الفلسطينيين لأسباب موضوعية كثيرة، أهمها أنه غالباً ما يعتمد على إحصائيات تبيان عدد اللاجئين الفلسطينيين من خلال بيانات منظمة غوث اللاجئين "الأونروا" ويتم تعميم أرقامها على أنه عدد الفلسطينيين خارج فلسطين، وفي ذلك تجاوز كبير لأعداد ضخمة من الفلسطينيين غير محسوبين على هذه الجهة، فضلًا عن غياب عدد ضخم لم يتم تسجيلهم في الوكالة لأسباب تتعلق برفض الحصول على المساعدات أو حتى قدرتهم المالية، وبالتالي يسقطون من دائرة حساب سجلات الوكالة كلاجئين، إلا أنه مع ذلك يقدر عدد المُهجّرين الفلسطينيين إلى ما يمثل 70% من مجمل عدد الفلسطينيين ويعتبرون من أضخم مجموعات اللجوء عالمياً.

وعند الحديث عن دور الجالية الفلسطينية المُهجرة في بلاد الإغتراب، لا بد وأن نستحضر واحدة من أهم الثوابت الأساسية في القضية الفلسطينية وهي مسألة حق العودة، ولكن للجالية الفلسطينية المقيمة في أوروبا ودول المهجر دور شبه مغيب وغير مفعل، رغم أهمية ما يقتضيه هذا الدور في ظلّ الإحتلال الذي يمعن في شتاتهم وقطع صلاتهم وتبديد حلمهم بالتحرر والعودة.

فـ"حق العودة" هو المحور الأساسي الذي تقوم عليه القضية الفلسطينية برمتها، بل إن حقوق اللاجئين ومطلب العودة ظلّ مثل العقدة في المنشار التي تحول دون أي مسعى لتحقيق السلام، فعودة المهاجرين واللاجئين والمُغربين عنوة عن ديارهم هو العامود الفقري الذي ترتكز عليه القضية الفلسطينية.

 

أدوار صاعدة

تشكّل الوجود الفلسطيني في أوروبا بداية كوجه غلب عليه الطابع الطلابي منذ مطلع الستينات، وأعقب ذلك التجمّع الشبابي حالة من الإستقرار متعددة الأجيال في المراحل اللاحقة منه حتى يومنا هذا، فطلاب الأمس الذين هاجروا لأجل الدراسة كوّنوا بيوتًا وعوائل هناك، لكنهم مع ذلك كانوا يؤكدون دومًا على رفض مساعي التوطين والمطالبة بحق العودة عبر جميع البوابات المتاحة.

ورغم كل المعوقات التي تقف في وجه الفلسطيني في بلاد الإغتراب، إلاّ أنه استطاع تحقيق العديد من المنجزات على صعيد الحراك السياسي الفلسطيني وتفعيل القضية الفلسطينية، سنحاول من خلال هذه المساحة إلقاء الضوء على بعض نجاحاتهم والمعوقات التي تواجههم أيضًا .

 

مؤتمر "فلسطينيو أوروبا"

حسب ما يعرف القائمون على مؤتمر فلسطينيّي أوروبا السنوي والذي يعقد دوريًا في عواصم أوروبا كافة، فإن هذا المؤتمر يؤكد أهمية الدور الذي يلعبه الشعب الفلسطيني في الشتات بشكل عام وفي أوروبا بشكل خاص، خاصة بعد بروز فكرة التنازل عن حق العودة في مفاوضات ما يسمى بالحل النهائي، لذا فقد تنادت منظمات العمل الشعبي إلى تأسيس مؤتمر أوروبي لأبناء الشعب الفلسطيني المقيمين في أوروبا للتأكيد على حق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وأراضيهم، بغضِّ النظر عن أوضاعهم القانونية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية، حيث يرى القائمون عليه أنه يُعد حقاً مطلقاً لا ينبغي بحال اختزاله في إطار جوانبه الإنسانية،‏‏ وأن هذا الحق ينبغي أن يكون محوراً أساسياً ومرتكزاً للعمل الفلسطيني والعربي من أجل حماية الشعب الفلسطيني وضمان حقوقه المشروعة غير القابلة للتصرف.

ويجتذب هذا المؤتمر السنوي فلسطينيين من عشرات الدول ويحظى بوزن اعتباري واهتمام إعلامي كبير، وقد نجح منظمّوه في جعل القضية الفلسطينية محط أنظار المجتمع الأوروبي رغم كل حالة الحصار السياسي المفروضة على قضاياه، وذلك من خلال طرق أبواب العلاقات العامة المتاحة في الساحة، ويشارك فيه عشرات الهيئات والمؤسسات الفلسطينية التي تجعل منه مكان تجمّع دولي لهم مع حضور كبير للأكاديميين والمثقفين الفلسطينيين من جل أنجاء العالم.

وإلى جانب الوفود الفلسطينية التي تحتشد فيه ممثلة عن التجمعات الفلسطينية في جميع الدول الأوروبية، فإنه يحضر إلى المؤتمر كذلك عشرات المحطات التلفزيونية ووسائل الإعلام العربية والأوروبية والعالمية، كما يقام على هامشه مؤتمرات صحفية تهدف إلى تأكيد الطابع المرجعي المنتمي للحراك الشعبي الفلسطيني في دول الشتات والمهجر.

 

نجاحات بارزة

من الجهود التي يبذلها فلسطينيو أوروبا وأميركا ملاحقة قادة الإحتلال قضائياً، إذ أُطلقت حملة أوروبية خاصة لرفع الحصار عن غزة بجهود فلسطينية من فلسطينيّي اللجوء، وعملت هذه الحملة على التواصل مع عدة دول أوروبية على غرار بلجيكا وهولندا وفرنسا والسويد وبريطانيا وألمانيا، مركزين في توجهاتهم على مواثيق الشرائع الدولية وميثاق محكمة لاهاي لملاحقة القادة الإسرائيليين بسبب خروقاتهم المتعمدة في التعدّي على الفلسطينيين والتعرض للمهمات الإنسانية التي يبذلها الفلسطينيون اللاجئون من خلال سفن كسر الحصار أو ما عرف بأسطول الحرية، وقد حشد فلسطينيو أوروبا وجهاء وإعلاميين وسياسيين أوروبيين وأعضاء من عدة برلمانات لمحاكمة الكيان الصهيوني على ارتكابه جرائم حرب، مستفيدين بذلك من دروس الكيان في سياسته الخارجية.

 

ظلال الإنقسام

الدكتور خالد المدلل أول عربي ينتخب في رئاسة مجلس جامعة بريطانية وهي جامعة براد فورد، وقد حقق قبل أكثر من خمس سنوات فوزًا ساحقًا لدورتين انتخابيتين على التوالي، وقد جعل من فوزه برئاسة مجلس الطلاب جسراً لإيصال رسالته بين المجتمعات البريطانية، كما استطاع أثناء فترة دراسته جذب أنظار الجميع إلى القضية الفلسطينية.

أكد لنا الدكتور خالد في حوار أجرته >علاقات< حول نشاطات العلاقات العامة التي تمارسها الجالية الفلسطينية في أوروبا وبلاد الإغتراب، أن خلفية الفلسطيني عادة تتحكّم في نمط حياته وارتباطه بالقضية، فالفلسطيني القادم من داخل الأراضي المحتلة مثلًا يختلف ارتباطه بفلسطين عن الفلسطيني الذي لم يعش فيها كلياً.

وقال إن الخروج من فلسطين نفسها إلى بلاد الإغتراب وترك الأهل والمعارف هناك يجعل الصلة بفلسطين أقوى بطبيعة الحال من الفلسطينيين الذين لم يعرفوا فلسطين وهاجروا قبل مدى أطول، وهذا بالطبع نلمسه من خلال تحمّل مسؤولية حمل الرسالة الفلسطينية.

يضيف المدلل أن المسؤولية مضاعفة بسبب أن الفلسطيني يمثل قضية بغض النظر عن دور الإعلام وفهم المجتمعات لها، لذلك فهناك مسؤولية على كل فلسطيني لا ألغيها، لكن يجب أن نفرّق بين المسؤولية الشخصية وهدف الإنسان هنا في أوروبا بسبب الخلفية والبناء والتربية ومن أين جاء وكل الأشياء التي تؤثر في تكوين كل شخصية. ويكمل حديثه مؤكدا أن ما يميز الفلسطيني هو ارتباطه بالوطن بغض النظر عن الخلفية السياسية والمفاهيم الدينية، ففلسطين تجمع الجميع بالفعل.

وحول النشاطات والأدوار التي تقوم بها المؤسسات الفلسطينية الموجودة في بريطانيا يرى المدلل أن هناك دورا مهما لتفعيل أو تشكيل وعي عام في أوروبا وبريطانيا، لكن للأسف الشديد الاختلاف الداخلي أو الإنقسام السياسي الواضح بشكل أو بآخر ينعكس على أداء المؤسسات الفلسطينية هنا في الخارج وخاصة في أوروبا، وهذا الإنعكاس يصل حتى للمؤسسات الرسمية.

على سبيل المثال، فإن السفارات الفلسطينية يفترض أن تكون حاضنة للجميع، لكن للأسف هذا الأمر لا يتحقق، فهي تمثّل تياراً أو جهة واحدة، وبالمقابل هناك العديد من المؤسسات التي تتبع لأطياف أخرى من الشعب الفلسطيني هي في الحقيقة لا تمثل إلا هذا التيار بذاته، وعليه فإنه حسب ما يجده المدلل الذي قضى أكثر من خمسة عشر عاماً في أوروبا أن الصورة العامة التي تظهر للجميع أنّ هناك جسماً جامعاً وحيداً للفلسطينيين إلاّ أنّ هذا الأمر بعيد المنال وغير موجود على أرض الواقع.

 

ضياع البوصلة

يمكن للفلسطينيين في دول اللجوء وبلاد المهجر تحقيق الكثير من النجاحات السياسية لو أدركوا أدوات العلاقات العامة بصورة أكثر وعياً، إذ يرى الدكتور خالد المدلل في خضم حديثه للمجلة أنّ الإنقسام الفلسطيني وإن كان له مبرراته، إلاّ أنه في النهاية تسبّب في شرخ كبير في الحراك الفاعل في أوروبا، والإشكالية أننا نحمل قضية عادلة وأنه من المفترض أن تظهر القضية بهذه العدالة لا بأي شكل آخر.

ويضيف قائلاّ: لقد لاحظنا العديد من الإخفاقات في التعامل مع قضايا حساسة جدًا كمسألة اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا والبلاد المنكوبة، بسبب الإشكاليات السياسية وانعدام الرؤية الشمولية فضاعت قضية اللاجئين الفلسطينين السوريين والتي كان من الممكن متابعة ملفها بشكل قوي واستثماره إلى أبعد مدى. ويرى أنه لا بد من وحدة العمل الفلسطيني والتعامل المركزي من أجل توحيد صورة القضية الفلسطينية حتى لا يحدث لبس في الحقوق العامة للفلسطينيين.

 

مجتمع مدني وعمل طلابي

يرى الدكتور المدلل أن التجمعات الفلسطينية الفاعلة عادة ما تأتي عبر المؤسسات البريطانية أو الجهات الأوروبية الحقوقية، وهي جميعها مؤسسات مجتمع مدني، ويوجه نداءه للأجيال الفلسطينية التي ولدت ونشأت في بريطانيا أن عليها أن تنحو منحى مختلفاً عن أسلوب الجيل الأول بعيداً عن التحزبات، فعلى المهاجرين واللاجئين الفلسطينيين الذين يقيمون في دول الغرب أن يمثلوا فلسطين حقّ تمثيل بعيداً عن التجاذبات السياسية الداخلية.

ويجد المدلل أن هناك نوعين من المؤسسات التي يستطيع الفلسطيني تحريك قضيته من خلالها في بلاد المهجر، الأولى المؤسسات التابعة للجامعات مثل الإتحادات الطلابية، والثانية المؤسسات المدنية لما لها من تأثير أكبر حسب قوله، مضيفًا أن قضية الإعتراف بفلسطين في البرلمان البريطاني، وحملة التضامن مع فلسطين والعديد من الحملات الرائدة على مستوى أوروبا من مؤتمرات وخلافه، كانت تقف وراءها مؤسسات حقوقية مدنية، وللأسف لم يكن داخل تلك المؤسسات سوى شخصين من فلسطين وكنت أحدهما.

ويؤكد المدلل على أن حديثه ليس سوداوياً لكن تغيير واقع مرير يتطلّب المواجهة من أجل الأفضل، فالإنقسام الفلسطيني يتحمل وزر العديد من الإشكاليات التي تنتقل إلى الساحة الأوروبية وتترك تبعات سلبية على القضية، فالسفارات الفلسطينية لا تمثّل الشعب الفلسطيني كله، والمؤسسات الفلسطينية هي الأخرى لا تمثل الفلسطينيين كلهم، حتى مؤتمر فلسطينيّي أوروبا لا يمثّل كل الفلسطينيين.

 

العلاقات العامة واقع جديد

في حين تعصف بالأطياف الفلسطينية رحى الإنقسام السياسي ملقيةً ظلالها على الحراك الفاعل، نجد أن المؤسسات المدنية استطاعت أن تقوم بدور أكثر فاعلية كبوتقة جديدة للنماء، ومن أبرز تلك المنظمات الفاعلة جمعية أصدقاء الأقصى ومقرها ليستر، وحملة التضامن البريطانية ومقرها لندن.

وبفعل الجهود والحراك الفاعل عبر مؤسسات المجتمع المدني التي قامت بها منظمات غير حكومية في بريطانيا، دخلت القضية الفلسطينية في السباق الإنتخابي للبرلمان البريطاني في صيف العام الجاري، وتم دعوة أبناء الجاليات العربية والإسلامية هناك لتوقيع تعهّد انتخابي عبر الإنترنت يستنكر هجمات المستوطنين ويطالب بإنهاء الإحتلال ورفع الحصار المفروض على قطاع غزة، وكان لهم جهود فاعلة أثمرت تصويتاً تاريخياً في البرلمان لصالح الإعتراف بدولة فلسطين.

 

الكرة والفيفا والمقاومة

من المعروف أن فلسطين كانت عضواً في الفيفا منذ عام 1929 أي قبل الإحتلال بقرابة عشرين عاماً، وكانت الرياضة بشكل عام جسراً للتواصل بين الشعوب وأداة للمواجهة والنضال، واليوم يلعب الفلسطينيون في عدة فرق حول العالم؛ ربما يكون أشهرها النادي التشيلي الشهير بالستينو Club Deportivo Palestino، والنادي كما يتضح اشتق اسمه من اسم فلسطين ويجمع في صفوفه لاعبيين فلسطينيين من دول المهجر، وتأسس من قبل مجموعة من المهاجرين الذين قدموا إلى أميركا اللاتينية قبل سقوط فلسطين بيد الإحتلال عام 1920، وألوان قميص الفريق استوحيت من العلم الفلسطيني الأحمر والأخضر والأسود، ومؤخراً ارتدى لاعبو الفريق قمصانًا رسم عليها شكل خارطة فلسطين كاملة من البحر إلى النهر ومن أم الرشاش إلى الناقورة، مستوحين من الخارطة أرقام لاعبي كل فريق وفي ذلك رسالة واضحة المعنى، وهذا الإجراء يؤكد أهمية الأخذ بعين الإعتبار كل الوسائل والأدوات التي تساعد على تحقيق رأي عام وتحريك قضايا راكدة، حتى لو كانت رياضة أو كرة قدم.

 

العلم ثمرة الهجرة الفلسطينية

يورث الفلسطينيون أبناءهم وأحفادهم أهمية العلم والثقافة باعتبارهما المخزون الأهم للإنسان الفلسطيني والوطن الباقي والمعول الذي يستند إليه في بلاد اغترابهم، فالشهادة والدراسة الأكاديمية هي سلاحهم حتى العودة إلى فلسطين، ولذلك فإن الطابع الثقافي الفلسطيني انتشر في كل بلاد المهجر حاملاً معه همّ القضية الفلسطينية.

وربما يكون المفكر والمُنظر الأمريكي من أصل فلسطيني إدوارد سعيد، أيقونة الثقافة الفلسطينية التي حملت وجه العروبة في بلاد الإغتراب واللجوء والمهجر، وإلى جانبه هناك مئات الأسماء الرائدة التي لا تخفى على أحد، من بينها سمير صقير الباحث والكاتب المناضل الفلسطيني الحامل للجنسيتين الفرنسية واللبنانية، وكذلك حسين برغوثي الشاعر والمفكر الفلسطيني المعروف.

أما أبرز الوجوه الفلسطينية في بلاد المهجر اليوم، فنجد ليندا صرصور الأميريكية من أصل فلسطيني، وهي ناشطة حقوقية تشغل منصب رئيسة الجمعية العربية الأمريكية في نيويورك، ومعروفة بدفاعها القوي عن حقوق الأقليات المسلمة والعربية والقضايا الإنسانية هناك، خاصة بعد حملات التجسّس التي شنّتها شرطة نيويورك على العرب والمسلمين في الفترة التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتعتبر ليندا صرصور واحدة من أبرز الشخصيات الفلسطينية التي أدركت عن يقين قوة استخدام العلاقات العامة في تحقيق الأهداف السامية حتى أنها تشبّه بخطى المناضل الأمريكي الإفريقي مالكوم إكس.

ومن بين الذين استخدموا أدوات جديدة في التعبير والإنتصار للقضايا، الفلسطينيان الأمريكيان، ميسون زايد ودين عبدالله، حيث استطاعا مناقشة العديد من القضايا الإجتماعية والإقتصادية والسياسية وتبسيطها في مشاهد تمثيلية مسرحية فكاهية من خلال  فن الـ"ستاند آب كوميدي"، وقد برز هذان الشابان الفلسطينيان بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أيضاً، وأظهرا للناس تأثر الفلسطينيين بالأوضاع السياسية نتيجة لذلك واضطهاد إسرائيل لهم، ولكلّ منهما أدوار رائدة ربطت نجاحاتهما مع أرض الوطن ولديهما مؤسسات خيرية في فلسطين.

ومن بين الأوجه الفلسطينية البارزة في الإغتراب، السيد فايق عويس والذي كان ريادياً في دفع المحتوى العربي على الإنترنت إلى واحدة من أسمى مراحله، وهو واحد من المسؤولين عن التعريب في شركة "جوجل" الشهيرة، كما لديه العديد من الأعمال الفنية الضخمة كجدارية قام برسمها حول إدوارد سعيد في جامعة سان فرانسيسكو بأميركا ومعارض وشواهد عديدة أخرى.

وليس الوجه الثقافي وحده يمثل الشخصية الفلسطينية في شتاتها، بل يبرز العديد من الوجهاء الفلسطينيين وأصحاب رؤوس الأموال في مقدمة الأثرياء العرب من أصحاب المشاريع والمؤسسات المرموقة، من بينهم على سبيل المثال عبدالحميد شومان من مدينة القدس وهو مؤسس البنك العربي أهم البنوك العربية والعالمية، وقد كان يحلم ببناء وطنه الأم فلسطين عندما كان في أمريكا وأن يقوم ببناء المشاريع فيها لكنه توفي دون أن يرى حلمه النور. كما أنه حسب مؤسسة "أرابيان بيزنس"، فإن قائمة نادي الأثرياء العرب الخمسين تضمّ ثلاثة فلسطينيين هم منيب المصري وتوفيق أبو خاطر وسعيد خوري، بل إن بعض العوائل الإماراتية الشهيرة والسعودية كذلك هي من أصول فلسطينية ومن أصحاب المليارات.

وعموماً، الأسماء الفلسطينية الرائدة لا حصر لها، وبقدر انتشار هجراتهم وتعدّد رحلات شتاتهم في أصقاع الأرض سواء في بلاد الغرب أو غيرها، يبقى السؤال الملح يكمن حول مدى استفادة القضية الفلسطينية من ذلك ومدى استثمارهم لهذا الشتات والإنتشار، والأهم من كل ذلك، كيف يمكن أن تقدم كل هذه الجهود الفاعلة في بوتقة واحدة ينصهر فيها العزم وتتناطح فيها الهمم لتحقيق الهدف الأسمى.